أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

21

نثر الدر في المحاضرات

وأما بعد ، فكلّ العجب من قوم زين الشيطان أفعالهم ، وارعوى إلى صنيعهم ، ودبّ في الفتنة لهم ، ونصب حبائله لختلهم ، حتى همّ عدوّ اللّه بإحياء البدعة ، ونبش الفتنة ، وتجديد الجور بعد دروسه ، وإظهاره بعد دثوره ، وإراقة الدماء ، وإباحة الحمى ، وانتهاك محارم اللّه عز وجل بعد تحصينها ، فتضرّم وهاج ، وتوغّر وثار غضبا للّه ونصرة لدين اللّه ، فأخسأ الشيطان ووقم كيده ، وكفّف إرادته ، وقدع محبّته ، وصغّر خدّه السّبقة إلى مشايعة أولى الناس بخلافة رسول اللّه صلّى اللّه عليه ، الماضي على سنّته ، المقتدي بدينه ، المقتصّ لأثره ؛ فلم يزل سراجه زاهرا ، وضوؤه لامعا ونوره ساطعا . له من الأفعال الغرر ، ومن الآراء المصاص « 1 » ، ومن التقدم في طاعة اللّه عزّ وجلّ اللّباب ، إلى أن قبضه اللّه إليه ، قاليا لما خرج منه ، شانئا لما نزل من أمره ، شنفا « 2 » لما كان فيه ، صبّا إلى ما صار إليه ، وائلا إلى ما دعي إليه ، عاشقا لما هو فيه . فلما صار إلى التي وصفت ، وعاين ما ذكرت أومأ بها إلى أخيه في المعدلة ونظيره في السيرة ، وشقيقه في الديانة ، ولو كان غير اللّه أراد لأمالها إلى ابنه ، ولصيّرها في عقبه ، ولم يخرجها من ذرّيته ، فأخذها بحقّها ، وقام فيها بقسطها ، لم يؤدّه ثقلها ، ولم يبهظه حفظها ، مشرّدا للكفر عن موطنه ونافرا له عن وكره ، ومثيرا له من مجثمة ، حتى فتح اللّه عز وجلّ على يديه أقطار البلاد ، ونصر اللّه يقدمه ، وملائكته تكنفه ، وهو باللّه معتصم ، وعليه متوكل ، حتى تأكّدت عرى الحقّ عليكم عقدا ، واضمحلّت عرى الباطل عنكم حلّا ، نوره في الدجنّات ساطع ، وضوؤه في الظلمات لامع ، قاليا للدنيا إذ عرفها ، لافظا لها إذ عجمها ، وشانئا لها إذ سبرها ؛ تخطبه ويقلاها ، وتريده ويأباها ، لا تطلب سواه بعلا ، ولا تبغي سواه نحلا ، أخبرها أن التي يخطب أرغد منها عيشا ، وأنضر منها حبورا ، وأدوم منها سرورا ، وأبقى منها خلودا ، وأطول منها أياما ، وأغدق منها أرضا ، وأنعت منها جمالا ، وأتمّ منها بلهنية ، وأعذب منها رفهنية « 3 » ، فبشعت نفسه بذلك لعادتها ، واقشعرت

--> ( 1 ) المصاص : الخالص من كل شيء . ( 2 ) الشنف : المبغض والكاره . ( 3 ) الرفهنية : رغد العيش وخصبه .